السيد عبد الأعلى السبزواري

98

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

والكفر تارة : يكون لأجل الكفر والجحود والشقاوة المنبعثة عن اقتضاء الذات بمجرد الاقتضاء لا العلية ، وهذا هو استبدال الهداية بالضلالة والإيمان ، بالكفر ، وقد أشار إلى ذلك سبحانه وتعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [ سورة فصلت ، الآية : 17 ] . وأخرى : يكون الاستبدال لأجل الأغراض الفاسدة الخيالية الدنيوية ، وهذا هو الاشتراء بالثمن القليل ، فإن كل غرض إذا صدر من الإنسان مع قطع النظر عن إضافته إليه عزّ وجل فهو من المعاملة الخاسرة وإذا صدر منه من جهة إضافته إليه تعالى مع تأييد ذلك بالشرع فهو من المعاملة الرابحة . والمائز بين الغرضين هو الشرع أو العقل المقرر بالشرع ، لما سيأتي في محله من أن نسبة الشرع إلى العقل نسبة الصورة إلى المادة ، فكما لا أثر للمادة بدون الصورة فكذا لا أثر للعقل بدون الشرع ، فالعامل بالعقل التارك للشرع يضل في هديه ، والعامل بالشرع التارك للعقل يبطل سعيه ومسعاه ، ويأتي تفصيل هذا الإجمال إن شاء اللّه تعالى . ثم إنه يصح أن يكون قوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ من باب ذكر اللازم وإرادة نفي أصل الملزوم فيكون المعنى أنه لا تجارة لهم أصلا في الواقع وإن كانت بحسب الظاهر لأنّ التجارة ما كان فيها اقتضاء الاسترباح في الجملة لا ما بنيت على الخسران والضلالة . وفي الآية المباركة نحو استعارة ومجاز لإسناد الربح إلى التجارة ومنه يعلم وجه قوله تعالى : وَما كانُوا مُهْتَدِينَ فتصح نسبته إلى تجارتهم الخاسرة أو إلى جميع شؤونهم التي منها تجارتهم . بحث روائي : عن الصادق ( عليه السّلام ) « سئل فيما النجاة غدا ؟ فقال إنما النجاة في أن لا تخادعوا اللّه فيخدعكم فإنه من يخادع اللّه يخدعه ويخلع منه الإيمان ونفسه يخدع لو يشعر ، فقيل له كيف يخادع اللّه ؟ فقال ( عليه السّلام ) يعمل بما أمر اللّه عزّ وجل به ثم يريد به غيره فاتقوا اللّه واجتنبوا الرياء فإنه شرك باللّه